فخر الدين الرازي

107

المطالب العالية من العلم الإلهي

التصديق عند حضور تلك التصورات لازما أو ضروريا ، لم يكن للعبد قدرة عليه ، ولا اختيار له فيه . لأن تلك التصورات لا قدرة للعبد عليها البتة . وعند حضورها تكون مستلزمة لذلك التصديق استلزاما لا قدرة للعبد عليه . فعلى هذا التقدير ، امتنع أن يكون ذلك التصديق واقعا بكسب العبد وباختياره . وأما إن كان حصول التصديق عند حصول « 1 » تلك التصورات غير ضروري ولا لازم ، فحينئذ لم يكن ذلك التصديق علما ولا يقينا ، بل هو اعتقاد تقليدي ، أتى به الإنسان من غير موجب . وهو أيضا محال . ومتى حاول الإنسان تشكيك نفسه فيه ، أمكن ذلك وقبل هذا لا يكون علما ولا يقينا . فثبت بما ذكرنا : أن العلوم إما تصورات وإما تصديقات . وثبت : أن كل واحد منهما خارج عن قدرة العبد وعن وسعه . فثبت : أن المعارف والعلوم خارجة عن قدرة البشر ، وأن حصولها ليس إلا بخلق اللّه سبحانه . البرهان الثالث على أن العبد لا يقدر على خلق العلوم هو : أن العبد إذا حاول إحداث العلم ، إما ابتداء وإما بواسطة شيء آخر . فإما أن يحاول إحداث مطلق العلم ، وإما أن يحاول إحداث العلم بكذا على التعيين . فإن حاول إحداث مطلق العلم ، لم يكن بأن يحصل هذا العلم ، أولى بأن يحصل ذلك العلم . لأن ماهية العلم جنس تحته أنواع كثيرة . وهي العلم بهذا المعلوم ، والعلم بهذا المعلوم الآخر . والطبيعة الجنسية بالنسبة إلى جميع الأنواع على السوية . فلم تكن الطبيعة الجنسية [ ناقصة « 2 » ] باقتضاء بعض الأنواع ، أولى من اقتضاء النوع الآخر . فلو كان القصد إلى جنس حصول النوع ، كان ذلك رجحانا للممكن من غير مرجح . وهو محال . وأما القسم الثاني وهو أن يقال : إنه يحاول إحداث العلم بكذا على

--> ( 1 ) حضور ( ط ) . ( 2 ) من ( ط ) .